ابن ميمون

233

دلالة الحائرين

--> الإلهية ، والمخالفون فيها طوائف سنفصل مذاهبهم وشبههم فيها مع حلها ، وقبل ذلك فلا بد من تلخيص الدعوى في هذه المسألة ثم إقامة البرهان عليها فنقول : إن قولنا للشيء إنه لا نهاية له يقال على وجهين : أحدهما على سبيل السلب ، والثاني على سبيل العدول ، أما الوجه الأول فهو أن لا يكون للشئ المعنى الّذي يلحقه النهاية - وذلك المعنى هو الكمية - ويسلب عنه النهاية التي هي خاصتها ، لوجوب سلب الخاصة عما يسلب عنه ذو الخاصة ، كما يقال : النقطة لا نهاية لها ، وذات الباري والعقل والنفس لا نهاية لها ، لأن هذه الأشياء لا كمية لها ، والنهاية إنما هي انقطاع كمية الشيء ، فاذن ما لا كم له فلا انقطاع له فلا نهاية له . أما العدول فهو أن يكون للشئ كمية لكن تنفى عنه النهاية ، وهو أيضا على وجهين : أحدهما أن يكون من شأنه أن يعرض له نهاية ، لكنها غير موجودة بالفعل مثل الدائرة ، فإنها ذات كمية وليس لها نهاية ، لست أعنى به أن سطح الدائرة ، غير محدود بحد هو المحيط ، بل إنما أعنى به المحيط نفسه فإنه ليس فيه نقطة بالفعل ينتهى عندها الخط المستدير الّذي هو محيط الدائرة بل هو متصل لا فصل فيه ولا حد لكنه من شأنه أن يفرض فيه نقطة تكون تلك النقطة حدا ونهاية له . وثانيهما أن يكون شيء له كمية ، ويكون من شأن نوعه وطبيعته أن يكون له نهاية ، لكن ليس من شأنه بعينه أن يكون له نهاية مثل الخط الغير المتناهى - لو كان - فإنه لا يجوز أن يكون خط واحد بالعدد موضوعا للتناهى ولعدم التناهي ، لكن طبيعة الخط قابلة لأن تكون متناهية في الجملة ، إنما الشك في الخط الغير المتناهى ، فهذا المعنى هو الّذي يريد أن يبحث عنه في هذه المقدمة ، والمعنى من كون الخط أو البعد غير متناه هو أي شيء أخذ ، وأي أمثال أخذت لذلك الشيء منه ، يوجد شيء خارج عنه من غير تكرير . إذا عرفت هذا فاعلم أن البراهين المعتبرة التي وصلت إلينا ممن قبلنا ، واعتمدوا عليها في إثبات هذه المقدمة ثلاثة ، أحدها يقال له برهان التطبيق ، والثاني يقال له برهان الموازاة ، والثالث يقال له البرهان السلمى . أما برهان التطبيق فهو هذا : لو كان بعد ممتد إلى غير النهاية في خلاء ، أو ملاء - إن كان - لكان لنا أن نفرض فيه خطا يخرج من مبدأ هو نقطة ( 1 ) في ذلك البعد الغير المتناهى ، ويذهب إلى غير النهاية ، ولنسمه خط ( ا . ب ) ، ولنفرض نقطة أخرى في هذا الخط بعد نقطة ( ا ) بمقدار ذراع ، وهي نقطة ( ج ) فحصل هاهنا خطان أحدهما خط ( ا . ب ) وهو من جانب ( ا ) متناه ، ومن جانب ( ب ) غير متناه ، والثاني خط ( ج . ب ) وهو أيضا من جانب ( ج ) متناه ، ومن جانب ( ب ) غير متناه . فإذا فرضنا في الوهم تطبيق أن أحدهما على الآخر من الجانبين المتناهيين - ومعنى هذا التطبيق أن يقابل في الوهم الجزء الأول من خط ( ا . ب ) من جانب ( 1 ) بالجزء الأول من خط ( ج . ب ) من جانب ( ج ) والجزء الثاني ، بالجزء الثاني ، والثالث بالثالث هكذا إلى غير النهاية - فهل يذهبان متقابلين إلى ما لا نهاية له من غير انقطاع